الصيام والصبر في علم النفس

الصيام والصبر في علم النفس

الصيام والصبر في علم النفس
كتبته :وجدان عبيد
الباحثة في علم النفس والدراسات الإسلامية والانثروبولوجيا

في كل عام في رمضان نرى ظواهر غريبة نتعجب منها ، فنرى في فترة الصيام وخاصة الأيام الأولى من شهر رمضان زيادة معدل التوتر والعصبية، وما ينجم عنها من خلافات وأحيانا المشاجرات قد تؤدي لاصابات وقد يصل الأمر لقضايا جنائية، وهذا بالطبع عكس ما شرع من أجله الصيام ، حيث أن الهدف من الصيام هو تهدئة النفوس وزيادة الألفة بين البشر والابتعاد عن العصبية والانفعال وكل ما يؤدي للمشاحنة والبغضاء .

تشير بعض النتائج والروابط العلمية عن وجود علاقة وثيقة بين ضبط النفس ومستوى الجلوكوز في الدم إذ بحسب عالم النفس البروفيسور” ماثيو جليوت ” في بحثه الشهير “فسيولوجيا قوة الإرادة: علاقة الجلوكوز في الدم بضبط النفس”. فان الجلوكوز أو سكر الدم هو المصدر الأساسي للطاقة في عمليات البناء في الخلايا، وبانخفاض كميات الجلوكوز- نتيجة صيام مثلا- تقل قدرة المرء على ضبط نفسه والسيطرة على انفعالاته والعكس صحيح .

معلومة تهمك

يدرس علم النفس الحديث ظاهرة الصبر تحت مسمى ” ضبط النفس ” والنموذج العلمي اليوم في علم النفس يشبه الصبر بالعضلة أو ما يسميه البعض “العضلة الأخلاقية” . وفقا لهذا النموذج فلكل إنسان مقدرة معينة من الصبر تماما كما لعضلات جسمه قدرة تحمل معينة، وكما تنضب قدرة العضلات خلال القيام بالمهام الشاقة فإن مصادر الصبر عند الإنسان تنضب وتنفذ أيضاً حين يستنزف نفسه بأداء مهمات شاقة متعددة.
أي أن عضلة الصبر تنمو مع التمرين تماما كما تنمو عضلات الجسم، وهذا ما يقوم به الصائم فعندما يقل مستوى الجلوكوز في الدم وتتراجع القدرة على ضبط النفس تواجه عضلة الإيمان الديني وحدها المهمة الشاقة، ويبدأ تمرينها القاسي، ويستمر هذا التمرين طوال شهر رمضان ومع نهاية الشهر الكريم تكون عضلة الإيمان قد نمت لتواجه عاما كاملاً من الابتلاءات حتى عودة رمضان مرة أخرى.

إن الإسلام أولى أهمية فائقة لمفهوم الصبر حيث أن للصبر علاقة وثيقة بالعبادات الذي يدعو إليها الإسلام خاصة الصيام حيث أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالاً لأمره واحتسابا للأجر عنده، فتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة ، والصبر عليها فيكون اجتنابها أيسر عليه ، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات أهون عليه ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : “الصيام نصف الصبر”.

ولهذا نجد أن الإسلام شديد التركيز على ضرورة التحلي بالحلم والصبر والأخلاق الحسنة خلال فترة الصيام وتشديده الدائم على أن اكتمال أجر الصائم لا يكون إلا من خلال السلامة الأخلاقية للصائم امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ.
وكأنه صلى الله عليه وسلم يتفهم أن الوضع الفسيولوجي للجسم تحت حالة الصيام يجعله أكثر عرضة للانفعال، وأن الارتقاء الروحي للإنسان يكون أفضل ما يكون حين يقاوم الإنسان هذه الجاهزية الجسدية للغضب ويتفوق عليها ويسمو بنفسه عبر التحلي بالاخلاق الحميدة وإلزام نفسه بعدم الاساءة لأي أحد خلال صيامه.
نسأل الله العلي العظيم أن يلهمنا الصبر ويعيننا على ترك كل الأمور السلبية التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: