حكايات سي التّيجاني 5

حكايات سي التّيجاني 5

حكايات سي التّيجاني 5
من إعداد المربّي/شفيق بن بشير غربال من صفاقس
متابعة عبدالله القطاري من تونس

برّدت جدّة التّيجاني ثورة حفيدها و أخذت منه عهدا ألاّ يفسد صيامه بالرّفث و أن يغلب نفسه الأمّارة بالسّوء . وذكّرته بأنّه يعمل من أجل ألاّ يقال عنه ” التّيجاني ، النّاس منّو تعاني ” و كرّرت على مسامعه : ” يا غالي ، انت من عائلة كبيرة تتفخّر بيها ، و ما نحبش يتقال عليك يخرج الطالح مالصالح ” .
_ نوعدك يا حنينة ..المهم انت راضية عليّ . ردّت عليه ” قلبي راضي عليك دنيا وآخرة والمهمّ ترضّي ربّي وما تجيبش المشاكل لبوك . نحبّك راجل ، والرّاجل بكلمتو ” شحنته عبارة “نحبّك راجل ” ثقةً بنفسه وقال بصوت جهير ” انت راجل يا تيجاني ..وكرّرها عدّة مرّات ، ثمّ ضحك وقال ” آشبيّ لا باس نكلّم في روحي ! ياخي تجننت والا شنيّة الحكاية !؟”
فكّر التيجاني أن يجرّب الصلاة في جامع آخر عساه لا يلقى مضايقات وانتقادات . خرج للجامع في هيئة عادية وتخلّى عن الزيّ الذي اتخذه مميزا ومناسبا للشّهر الفضيل . ألم تقل له جدّته إنّ الملابس لا تُدخِل إلى الإسلام ولا تُخرِج منه ؟ انتقده روّاد قارعة الطريق و استنكروا تخلّيَه عن زيّه الجديد . ” يا مبدّل لحية بلحية ، يا مشتاقهم لثنين ” ، ” فين السبحة والمروحة يا شيخ التّيجاني ؟ ” ،” ملاّ منافق ! لعنة الله على المنافقين .” كظم غيضه و تصامم عن سماع نفثاتهم . و همس في سرّه ” الكلاب تنبح والقافلة تسير ” ..
وهنالك في الجامع هاله ما رأى : جارهم المحترم سي المكّي من لجنة الجامع والمؤذن الثاني . قيل له سُمّي المكّي لأنه ولد سنةَ عاد والده من الحجّ .وشتّان ما بينه وبين أبيه سي الهادي رحمه الله ! سي المكّي متقاعد التزم بخدمة بيت الله . لا يُرَى إلا ذاهبا الى الجامع وجائيا منه في أوقات الصلوات الخمس بزيّه التّقليدي ولحيته التي أطلقها ،بكلّ حرية، بعد تقاعده . هذا كلّه حسن ، فلمَ هو جار لدود !؟ سي المكّي نصّب نفسه متكلّما باسم الحقّ العامّ والمصلحة العامة ، وكأنّ اللّه استخلفه في الأرض ليُصلِح و ينشر العدل بين النّاس ! فهو رجل القانون ، وهو الشّيخ الفقيه ، و المهندس الخبير ، و المربّي التّقيّ الورع .. لا يرى منكرا إلاّ عمل على إزالته ولو بحدّ السيف وسيفُه لسانُه السّليط كما يعرفه الجميع . ونحن أحد خصومه الذين صنّفهم في خانة ” ضدّ المصلحة العامّة ” . كنّا نملك جنانا ( أرضا) مسوّرا بالطوابي ، و في تلك السّنوات بدأت حملة إزالة الطوابي . اتّفق مع أبي على إزالة الطابية التي تفصل بيننا وبينه ، و أتوا بخزمة و أربعة قضبان من الحديد لتحديد فتحة الخندق بعرض نصف متر بعد أن أزيلت الطابية وتقرّرت قسمة ترابها مناصفة حسب الاتفاق . عاد أبي من الشّغل فوجد الخندق بعرض أربعين صنتمترا والعشرة الأخرى أدخلت في أرضه والتراب الذي من جهته يفوق التّراب الذي من جهتنا !؟ بُهت أبي وغضب فلم يكن من أمر سي المكّي إلا أن رفع في وجه أبي الرّفش ( البالة) وكال له من عذب الكلام ما أصمّ أذنيه ، وختم بقوله ” هاك الّي ثمّه وبرّه اشكي للعروي ” تحكّم أبي في انفعالاته و حكّم عقله و ردّ عليه ” تكسب وتعلّي ، وتمشي وتخلّي يا مكّي .. خسارة فيك ها الاسم ” تذكّرت وأنا في الجامع صفحات من سيرة هذا المكّي ، وأنا أنظر إليه كيف يصطنع التّقوى والورع ويغزل بلسانه الكلام المعسول . قلت في نفسي ” هربت مالقطرة جيت تحت الميزاب يا تيجاني .” لا مُقام لي بعد اللّيلةِ في هذا الجامع . بيوت ربي كثيرة . رآني سي المكّي فور الانتهاء من الصّلاة وهشّ في وجهي وبشّ وقال لي:” آنستنا يا تيجاني .. ” تمتمت ” يحسابني جيت لدار بوه ! ”
قدّمت لجدّتي تقريري اليوميّ و سألتها الرّأي والمشورة . أنصتت إليّ جيّدا ، حتّى إذا فرغت قالت لي : ” اسمع يا غالي ، الجامع موش متاع المكّي يِذِّن فيه والاّ ما يِذِّنْش .. وحسابو عند ربّي ، وكل شاة معلّقة من كراعها . ” كانت كلماتها كافية لإقناعي و تثبيتي . قبّلتها في رأسها ككلّ مرّة و قلت لها ” الله لا يقطع عليّ يا حنينة ” .

بقلمي: شفيق بن البشير غربال / صفاقس

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: