الشعرية والشاعرية وبينهما اللغة

الشعرية والشاعرية وبينهما اللغة

تعقيبي على المقال الأسبوعي للناقد الأكاديمي الجليل أ.د.أحمد فرحات بعنوان “اللغة الشعرية”:

الشعرية والشاعرية وبينهما اللغة

معلومة تهمك

بقلم
الشاعر.عباس محمود عامر
“مصر”
الشعرية جاءت من الشعر .. والشعر من الشعور .. شعور الإنسان بمن حوله.. شعوره بالشئ حينما يبصره أو يشتمُّّه .. أو يسمعه أو يلمسه .. كل هذه الحواس تتبادل خصائصها فيما بينها لتجتمع في الشعرية واللغة هي التي تبرز بواطن هذه الشعرية .. طبقا لشاعرية الشاعر .. لذلك هناك علاقة بين الشعرية والشاعرية .. لأن الشاعرية هي الموهبة الروحية والأسلوب التركيبي الذي ينسج قناعات الشاعر التي تؤكد رسالته الإنسانية على مسرح الحياة في إطاره الإبداعي .. والقارئ المتذوق يشعر بكل حرف يكتبه الشاعر ويلمس أسارير التجربة.. أما الناقد له نظرة أخرى .. يدخل الشعرية والشاعرية من البحث في علم الشعر من جميع الأبواب بمصطلحاته النقدية .. لذلك اكتشف النقاد مصطلح الشعرية واللغة الشعرية والشاعرية .. بهذه المصطلحات يكشف الناقد بواطن الإحساس وتفاعله مع الحواس .. ليصل إلى مكامن الإبداع في النص الأدبي والشعري على وجه الخصوص..لذلك كل شاعر له خصائصه المميزة في شعريته ولغته الشعرية وشاعريته.
الشاعر يحوِّل خصائص الحواس فيما بينها .. كأن الشّئ الذي يشتمُّّه يلمسه أو يبصره أو يسمعه وعلى العكس .. يتملَّك الشاعر هذا الشعور تلقائيا ..ليصل إلى جماليات التعبير بلغته الشعرية .. ويثبت أن الإبداع يرتبط ارتباطا وثيقا بالشعور الناتج عن الشعرية بعيدا عن الصنعة والمهارة الفكرية التي تعتمد على التراكيب اللفظية .. لذلك اللغة الشعرية تماما تختلف عن هذه التراكيب اللفظية .. لأن التراكيب اللفظية فعلها وفاعلها الفكر والعقل .. أما اللغة الشعرية أساسها الشعور الذي ينبع من الروح .. لأن الله سبحانه وتعالى خلق فينا الروح تحمل كل المشاعر والأحاسيس الجياشة والرغبات الجميلة بلا شك .. والشعرية لا تقتحم النثر لأن أساسها الشعر .. ولكن النثر يحاول أن يلتقط بعض القشور الملقاة من الشعرية والشاعرية ..كي يأخذ النثر أحد عناصر الشعر .. فيتحول النص الى شكل أدبي فقط له خصائصه المميزة .
ويقول “أرسطو” الفيلسوف اليوناني في كتابه فن الشعر :
«ليست وظيفة الشعر أن يصوّر لنا الحياة كما هي بتوافهها وأحداثها.. ولكن مهمة الشعر أن يخبر عمّا يمكن أن يحدث ..لا عمّا حدث فعلاً .. ويختلف الشاعر عن المؤرخ .. لأن المؤرخ يروي ما حدث فعلاً .. أما الشاعر فيخلق ما يمكن أن يحدث” .. والشاعر لا يتمكن من ذلك إلا بالشعرية والشاعرية .

الشاعر.عباس محمود عامر

“مصر”

اللغة الشعرية
بقلم
أ.د.أحمد فرحات

الشعراء –غالبا- بحاجة إلى تجديد لغتهم، وتنمية مهارتهم، خشية ن يقعوا في نثرية مفرطة، أو ترهل لغوي، أو فوضى دلالية، نتيجة عدم اطلاعهم على مستحداث اللغة الشعرية، فإلى الذين يتحسسون خطاهم الأولى، تأملوا مصطلحين مهمين في الدراسات النقدية، وسيروا وانتقوا وأبدعوا ما شئتم..
إن اللغة تعيد إنتاج الواقع، وينبغي أن نفهم ذلك بالطريقة الأكثر حرفية وهي: أن الواقع يتم إنتاجه مرة أخرى من خلال اللغة.فـ اللغة هي الأداة الأساسية للشاعر… التي يشكل منها وبها بناءه الشعري بكل وسائل التشكيل الشعري المعروفة، أي أنها الأداة الأم التي تخرج كل الأدوات الشعرية الأخرى من تحت عباءتها، وتمارس دورها في إطارها.
تراسل الحواس و التداعي البصري مصطلحان مهمان في بنية القصيدة المعاصرة.
فغالبا ما تتردد في الشعر المعاصر عبارات يتجاوز بها حدود الدلالة السطحية الظاهرية المحدودة إلى بُعد إيحائي عميق، ومحاولة الوصول بها إلى استكناه البعد الباطني العميق، ومنها: الاحتراق العَطِر-الجرأة الناعمة –الحكمة اليابسة- مرمر الوجل-أغنية ذابلة –بَرَج الكلام- نعناع الكف-فيروز الصمت- السؤال المرمري- حسو البريق – همس عينيك- غرس النوازع- بخور الوصايا – جبة النور- جمر الرحيق-المدى المر- مضغ الأمنيات- حشرجات الفجر-همهمة الضوء-البرق الموشى- مبحوحة العينين- ترتيل حرير-بياض الجنون-البرق الموشى.
وهي من قبيل ما يعرف بتراسل الحواس.وقد تجاوزت نظرية العلاقات هذه ميدانها في مجال الطبيعة إلى ما يسمى بـ (تراسل الحواس) واختلاطها وتعبير أحدها عن الآخر، فاللمس والشم والسمع والبصر حواس من نوع آخر، ووسائل تعبير فني تتجاوز حدودها الطبيعية إلى معان جديدة مبتكرة. وعليه فإن مفهوم (تراسل الحواس) هو: وصف مدركات حاسة من الحواس بصفات مدركات حاسة أخرى فتعطي المسموعات ألوانا، وتصيَر المشمومات أنغاما، وتصبح المرئيات عاطرة، وبذلك فإن التراسل يعطي الفرصة في استثمار حاستين أو أكثر من خلال ذكر حاسة واحدة، مما يثري اللغة وينميها لفظاً ومعنىً لأنه يعني ضمناً نقل مفردات حاسة إلى أخرى، وبذلك تتنوع أساليب التعبير عن الحاسة الواحدة. ولنقرأ قوله: في حشرجات الفجرِ /همهمةٌ من الضوء العليلْ/مصفرة الإفصاح/يعروها الخمولُ/يلوكها الموجُ العتيُّ/ولا شفاعة للنزقْ..فالفجر يعتمد على حاسة الإبصار وميلاد النهار من رحم الليل، والحشرجة تُعْنَى بالصوت وإن كان خافتا، ومن اجتماعهما معا تَوَلَّدَ معنى جديد ربما لا تشعر بمأتاه، ولا تكاد يدك تمسك بالمعنى غير أن الصورة انتقلت إلى القارئ سريعا موهمة له بلحظات ميلاد عاثر، وكذلك في قوله: همهمة من الضوء، فالهمهمة مصدرها الصوت، والضوء ينبع من البصر، ومن اجتماعهما معا استطاع الشاعر أن يرسل إلى القارئ صورة تمازج الحواس بعضها ببعض. وكذلك أيضا في قوله(مصفرة الإفصاح)
وفي الشعر المعاصر أيضا نلحظ أنه ينبع من أعماق نفس مضطرمة، تداعت عليها أحداث مأزومة، فمرت على نفسه هذه الأحداث صورا بصرية شاخصة، ينفذ من خلالها تعبير مواز لهذه الصور البصرية بأسلوب أطلق عليه النقاد “التداعي البصري” الذي تنطلق خلاله الصور دون علاقة منطقية واضحة، فيقول عيد الحجيلي:
منذ عشرين عاما أضاجع جوعي
– على مسمع القطة القرمزية-
كل مساء…
أسير على هامة العطش / الكهل كل صباح،
ولم تنبت الأرض عشبا، وما التفتت لطنين
الخطى غيمة هاربهْ
كل شيء يكمم شقشقة الخطو
تحت عباءة هذا الخواءْ:
الرياح التي أجهضت
والعيون التي طمست
والقلوب التي صوحت
………..………..
والحروف التي دفنت
نصف أصواتها
في المساحيق كيما تمر على مرمر الوجل
الفذ مثل الهباءْ!!
فمضاجعة الجوع كل مساء أمام القطة القرمزية منذ عشرين عاما، وسيره على هامة العطش الكهل كل صباح، وجدب الأرض التي لم تعد تنبت العشب، والغيمة الهاربة التي ما التفتت لآلام الأرض العطشى، والرياح التي أجهضت، والعيون التي طمست، والقلوب التي صوحت، والحروف… فهذه الصور هي حاصل جمع أشياء متباعدة، لا جامع بينها، ويضم المحسوس والخيالي في عبارة واحدة وسياق واحد، فكل هذه الصور هي أشبه برفات الصوى التي يراها راكب من نافذة قطار، ولا علاقة ذهنية منطقية فيما بينها غير أنها تنبع من الذات بصورة عفوية متتابعة لتدل على شيء واحد هو سوداوية الحياة وجهامتها أمام ناظريه.


تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: