الروح والفكر واللغة

تعقيبي على المقال الأسبوعي للناقد الأكاديمي الجليل أ.د. أحمد فرحات بعنوان “لغة الشعر الحديث ” :
الروح والفكر واللغة
============
بقلم
الشاعر .عباس محمود عامر
“مصر”

الله سبحانه وتعالى خلق فينا الروح تكمن كل المشاعر الجياشة والرغبات الجميلة قبل أن نولد .. والشاعر الحق .. هو الذي تنطلق مشاعره من أعماق الروح لتكتبه الروح شعرا .
واللغة بصفة عامة ..هي إشارات وألسن ونقوش في حروف أبجدية .. تشكلت عبر التاريخ الإنساني منذ بداية الخليقة وأخذت مسميات عدة .. أصبحت لكل بقعة من بقاع الكون لغة معينة .. طبقا لثقافة الإنسان التي تشكلت في تفاعله مع الطبيعة والمخلوقات وجميع الكائنات الحية .. أصبح الانسان له لغة ومختلفة ومتعددة النطق .. والطير له لغة والحيوانات لها لغة والزواحف لها لغة حتى النمال لها لغة أيضا ..قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض .. وقد سمي ذلك منطقًا وقولًا في قول سليمان: {علمنا منطق الطير}، وفي قوله: {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}، وفي قوله: {يا جبال أوبي معه والطير} .
واللغة يستمدها الشاعر من ثقافاته ومكتسباته الأدبية وتطلعاته الروحية وتجاربه .. والشاعر تتجدد لغته الشعرية في شعره الحديث طبقا لتمدده في الموروث اللغوي.. وقدرته في تفكيك المفردة اللغوية .. وتحسس حواسه الداخلية في إعادة صياغتها وامتثالها لقواعدها العربية .. وحروفها الساكنة والمتحركة التي تبرز إيقاعها لتكون أداة قوية في شاعريته .. إلى جانب معاصرته لمختلف الثقافات .. كل هذا يكمن في الثروة اللغوية التي هي وسيلة الإتصال المباشر بينه وبين المتلقي في طرح تجربته الشعرية بالقصيد.
إذن اللغة الشعرية تتشكل من ثقافة الشاعر وقراءاته المتجددة .. وتلتقت الروح هذه اللغة من المخزون اللغوي وتخلطها ضربا في المشاعر .. تعطي لونا ومزيجا للصور الإبداعية المعبرة سواء مباشرة أو غير مباشرة .. في حالة من المخاض الشعوري الملهم .. تنطلق بصور جمالية ترسمها اللغة الشعرية بريشة الإبداع.. لتشكل كيان قصيدة تحمل إحساس الشاعر ورؤيته في الحياة .. في سطور كأنها مادة عضوية متماسكة .. تمنح المتلقي شعورا روحانيا بما توحيه القصيدة ..
والمفردة الشعرية ناعمة ومعبرة في طرح مشاعر وتصاوير تطلقها الروح من أعماق الشاعر .
أما المفردة النثرية .. تمتاز بالجمود وقلة البلاغة والتعبير السطحي لفكر الكاتب .. ربما تأخذ من الخيال بعض الشيء .. ولكن في سياقها لا تنطلق من الروح كما في المفردة الشعرية بل تنطلق من الفكر ذاته ..لذلك كان هنا الخلاف بين القصيدة الشعرية .. سواء كانت كلاسيكية أو تفعيلية أو حرة وبين السرد التعبيري الذي أسماه “قصيدة النثر” الشاعر اللبناني السوري الأصل الراحل أدونيس “على احمد سعيد ” .. والتي يسعي كُتَّابُها في هذا العصر إلى طمس القصيدة الشعرية ليحل محلها السرد التعبيري “قصيدة النثر” على أنها تجديدا بل تقليدا للشعر الغربي .. وهذا لم ولن يمكن أن يحدث هذا لأن القصيدة الشعرية لها تاريخها وجذورها على مر العصور وتحتفظ بهويتها العربية .. بينما يعد السرد التعبيري أو قصيدة النثر شكل أدبي آخر .. والشكل الأدبي لا يطمس شكلا آخر سبقه مهما كانت صياغته .. كما أن اللغة الشعرية هي الفيصل بين هذين الشكلين .. فاللغة الشعرية في القصيدة الشعرية منبعها الروح .. واللغة النثرية في قصيدة النثر أو السرد التعبيري منبعها الفكر .. فرق شاسع بين الشكلين .. بما يوحي بوجود خصائص تميز كل شكل عن الآخر .
على وجه العموم أصبحت اللغة جمالا يتزين به الإنسان .. يجب ان نهتم به .. لو أهملنا هذا الجمال شاهت وجوهنا .
أشكر قلمك الرائع دكتورنا الغالي على طرح مصطلحات أدبية نبحر في منابعها وخاصيتها الفنية.. لكشف ملامح الصورة للمتلقي .
الشاعر .عباس محمود عامر

“مصر”

معلومة تهمك

لغة الشعر الحديث
بقلم
أ.د. أحمد فرحات
يصرح الشاعر المعاصر بأنه توغل في القافيات العذارى، ليبدد خوف الحروف العليلة، إنه يصنع من لغته الشفيفة عالما مركوما من الأمنيات والخيالات المتشعبة في ذاته. تلك اللغة التي يمكن أن نسميها لغة شعرية حديثة، إنها لغة فيها تمرد على اللغة السائدة، لغة متمردة على سجن الواقع وتنتفض للإفلات من ضيقه وملله ووحشته وربما انحطاطه وركاكته.
تمتاز هذه اللغة بالأخذ من لغة العرب، وأمثال العرب، وطرائف العرب، متخذة من مذخورها الكامن في ثقافة الأحفاد ما يؤهلها لتكوين إشعاعات وذبذبات تصل الحفيد بالجد دائما، إنه نظر إلى الخارطة العربية فوجدها لما تزل باقية كما هي من عهد الأجداد البواسل إلى اليوم ولكنها تشكو غبار البين، وصهيل الخيول التي سئمت أعنتها التموقع في الخواء، وفوق صهوات الرجاء، وبين أنياب الفِرَق.
تحريك بعض الأسماء الجامدة ومحاولة اشتقاق الأفعال منها سمة غالبة في الشعر الحديث؛ فالشاعر لم يكفه الاتكاء على المعاجم فحسب، بل راح يمتاح من التصرف في بعض الأسماء، وإلباسها روحا ذات أزمان وأحداث مختلفة، فراح يتصرف في الاسم ويغير من ثباته وجموديته إلى أفعال ذات حركة وديناميكية طلبا للعون من اللغة البخيلة.
فالشاعر شديد الظمأ إلى لغة أخرى، يضمنها بثه وشكواه، فاستعار من الاسم اسميته وزاد عليه بتغييره نمطية الاسم فحوله إلى فعل كثير الحركة والاضطراب، انظر معي إلى كلمة سنبلة وهي اسم جامد، فكيف استطاع أن يبعث فيها الحركة والنماء بإسنادها إلى تاء الفاعل، فصارت فعلا دالا على الاسم والفعل معا: سنبلت في دوامة النقع العريق/ سلافة اللحن /الطهور المضطهد. وكذلك الأفعال التالية: تموء–زنبقي–تشجن–تعشب– تتبرعم–تبسّق …
ولعل ظاهرة لغوية أخرى نراها بجلاء في الشعر الحديث، وهي الأفعال ذوات الدلالات النفسية الحادة، نحو: قشّر–توشّح (بالتضعيف) – تبجّست– تفسّخت– تعشّب–تجلّل–تضجّان–تشعّان–تحدّر–تهشّمت–تهدّجت.تؤزُّه–يكمِّم–يرنِّق–تدثّر
وكذلك بعض الأفعال المبنية للمفعول ذات التضعيف أو بدونه:
أُجهِضَت– طُمِست– صُوّحت– سِيقت– عُتِّقَتْ– تتكوّر.. فالشاعر يختار من صيغ الأفعال أشدها تأثيرا، وأثقلها نطقا، مؤثرا الأفعال بحروفها الزائدة على غيرها نحو: اعتمرت– امتلثت – امتشقت – استوطنت – التفتت – اندلقت – يصطخب– يتغابى -.تتبرعم–ابتنى–أتأبّط .
ولم يقف عند هذا الحد بل استخدم من غرائب اللغة وشذوذها ما يجعل لقصيدته الالتفات المناسب، فأضاف (أل) إلى الفعل المضارع رغبة منه في لفت الانتباه بشكل مباشر ولافت، نحو: اليتضوّر– اليتعثّر.. انظر معي إلى قول عيد الحجيلي:
شفيفاً
تساقط قحطي على نخلتين
تضجّان –في صدرك المتوقّد– بالخوف
والهمسات العطاش
تشعّان لحنا حزينا
تحدّر من مهجة تستعرْ
فالأبيات من قصيدة بعنوان “قحط” ، والقحط هو الجفاف واحتباس الماء، فالشاعر يصيب المتلقي بالصدمة والدهشة في تساقط القحط، فبدلا من تساقط الماء، وانفجار ينبوعه ليعم الخير والنماء، فإذا به يصدم المتلقي بتساقط الجفاف، في إشارة منه إلى خواء الذات الشاعرة من عاطفة الحب والانتماء، ثم يستمر في إصابة المتلقي بهذا التساقط الجاف على “نخلتين” ، والنخلتان هنا رمز الشموخ العربي، ومصدر عزته وإبائه، فاحتباس الماء صار متجها إلى كبرياء الذات الشاعرة مؤرقا لها، ضاربا رمز عزته وكبريائه، لأن النخلتين تضجان بالخوف في صدر متحفز، متوقد، ليشيعان أغنية حزيمة يتغنى بها قلب الأمة الحزين، فالأمة العربية التي كانت ترفل في عز وبهاء قد أصابها ما يصيب الأرض الخراب، من امحاء القطر، وذبول الكائنات.
وأحيانا يأتي الفعل المضارع عند الشاعر مشابها للاسم، فيدخل أل التعريف على المضارع، وهذا الأمر خاص بالضرورة فقط، ولكنه لجأ إلى هذه الضرورة أكثر من مرة، فأدخل أل على المضارع في قول عيد الحجيلي:
وفيم التردد؟
ذا سمتك اليتضور عريا
يفتش في حانة الوقت عن ظله
ا ل ز ئ ب ق ي
وقال في قصيدة ” صحوة” :
صاحبي
ليس هذا الدم اليتعثر
في ظاهر الوجه
ص ب ا ح اً
دمك!!
ودخول (أل) هنا ليست كالداخلة على الاسم النكرة لتفيد التعريف، ولكنها هنا بمعنى الذي، وهذا موجود في الشعر العربي القديم، كما في قول الفرزدق:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
فإذا دخلت (أل) على المضارع المبني للفاعل فإنما تدخل عليه لمشابهته اسم الفاعل، وهو كثير في الشعر القديم، ولكنه غير مستحب، وإنما يكون للضرورة فحسب. ولكن ما الضرورة التي ألزمت الشاعر العودة إلى الوراء واقتفاء أثر القدماء في تناول ظاهرة لم يستحسنها القدماء أنفسهم ودللوا على ضعف مستخدميها، وقلة شاعريتهم، وأن من استخدمها منهم إنما كانت للضرورة الشعرية؟
لم يكن اهتمام الشاعر الحديث بلغة شعره يصرفه عن استخدام العامية، ولاسيما العامية المصرية، يبدو أن لغته لم تسعفه بالبديل المناسب في الفصحى، فراح ينشده من العامية، ولا ضير في ذلك طالما أنه خلق لها جوا شعريا مناسبا ككلمة سيجارة :
كلما ضحكت
غيمة مرجأهْ
أطفأ البرق
في فمها العذب

“سيجارة” مغرمهْ

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

تعليق 1
  1. cerebrozen reviews يقول

    I truly relished the effort you’ve invested here. The design is tasteful, your authored material fashionable, however, you seem to have acquired some unease about what you intend to present henceforth. Undoubtedly, I’ll revisit more regularly, similar to I have nearly all the time, in the event you sustain this rise.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: